أحمد فارس الشدياق
243
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
عليك ما أقدم الآتي إليك من دون أن يذكر اسمه ، وإنما يذكر صفاته بأن يقول بالباب رجل مبتلّ النعلين مفتوح الظلّة مشعث الرأس ، وحينئذ تأمره بأن يأذن له في الدخول ، فأمعن النظر هداك الله يتبيّن لك أن من كانت هذه حالته كان جديرا بأن يأخذ في غاية الشهر أجرته وحقّ عرق جبينه ، أو قرقرة أمعائه من البرد . لعمري ليس هذا دأب جيرتك الفرنسيس فإنّهم وإن لم يؤدّوا أجرة العامل لهم كما تؤدّيها أنت إلا أنّهم لا يغفلون عنه ، فيعرضون عليه ما يلزمه قبل اللزوم ، أو عند وقته ، وأقبح من ذلك أنّه إذا سأل العامل المعمول له من هؤلاء السادة أجرته انقبض منه واقشعرّ ، ولا سيّما إذا كان المبلغ قليلا . وهنا ينبغي أن أذكر أن الناس ما زالوا يروون عن الإنكليز أنّهم إذا استخدموا مثلا معلّما أو غيره لا يسألونه عن أجرته أولا وإنّما يسألونه أخيرا ، ويؤدّونها إليه كما يطلب ، وأنّهم يوفونها أكثر من سائر من عداهم من الإفرنج ، وأن العامل إذا اشتغل لهم بشيء ساعة ما من النهار أغناه ذلك عن التعب يوما أو يومين ، فينبغي أن تعلم أن الإنكليز كانوا من قبل اختراع البواخر أنخى وأسخى منهم الآن ؛ فإن مجيء الغرباء إلى بلادهم كان إذ ذاك نادرا . فكانوا يحتاجون إلى أن يأخذوا عنهم ما ليس عندهم منه . وكثير ممّن قدم إليهم في ذلك الوقت مخرق عليهم ولبّس ، ورجع غانما ، فأمّا الآن فما برحت الغرباء تتوارد إليهم من كلّ فجّ وصاروا هم أيضا يجولون في جميع البلاد ويطّلعون على أحوالها ويشهرون معلوماتهم فيها في الكتب ، وفي صحف الأخبار ، فصاروا لا يخفى عنهم ما يناله الغريب في بلاده ، وأصبحوا يشاطرون ويستحطّون من الطلب ، وصار عندهم كثيرون من الغرباء . فربما رضي أحدهم بأن يأخذ على شغل ساعة شلينا واحدا وما بين ذهابه وإيابه يضيع ساعة فأكثر . وهذا الطمع في الاستغناء من الإنكليز قد غرّ كثيرا من الناس فاستفزّهم من ديارهم حتى قاسوا في هذه البلاد من الجهد والعناء ما رضوا به من الغنيمة بالإياب ، حتى إن أهل إرلاند مع قربهم من الإنكليز ومخالطتهم لهم يتركون بلادهم ويقصدون إحدى مدن الإنكليز ، وعمدتهم تلك الأماني الفارغة . ويحكى عن أحدهم أنه قدم إلى لندرة على نية أن يصيب فيها الحظوة والسعادة وكان فقيرا جدا ، فاتفق يوم دخوله